محمد متولي الشعراوي
9092
تفسير الشعراوي
فقد بلغ الغاية في تصديق ما يأتي من الحق تبارك وتعالى ، فهو يطيع ويُذعِن ولا يناقش ، كما رأينا من أم موسى عليه السلام لما قال لها الحق سبحانه : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني } [ القصص : 7 ] . بالله ، أي أم يمكن أن تُصدِّق هذا الكلام ، وتنصاع لهذا الأمر ؟ وكيف تُنجِّي ولدها من شر أو موت مظنون بموت مُحقَّق ؟ إذن : فهذا كلام لا يُصدَّق ، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس ، أما في موكب الرسالات فالأمر مختلف ، فساعة أنْ سمعتْ أم موسى هذا النداء لم يساورها خاطر مخالف لأمر الله ، ولم يراودها شَكٌّ فيه ؛ لأن وارد الله عند هؤلاء القوم لا يُعارض بوارد الشيطان أبداً ، وهذه قضية مُسلَّمة عند الرسل . إذن : الصِّدِّيق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق ، فيورثه الله شفافية وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويُميّزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر ودون بحث وتدقيق في المسألة ؛ لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يُبدّد عندك غيامات الشك ، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزنُ به الأشياء ، كما قال سبحانه : { يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً } [ الأنفال : 29 ] . ومن هنا سُمِّي أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه صِدِّيقاً ، ليس لأنه صادق في ذاته ، بل لأنه يُصدِّق كل ما جاءه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ؛ لذلك لما أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذَّب به كثيرون ، ماذا قال ؟ قال : « إنْ كان قال فقد صدق » .